إننا ندمر الكلمات،إننا نسلخ اللغة

ذات مساء من أيامي العادية جدا،التقيت شخصا غير عادي البتة،اسمه سايم.

-أنت لا تدركين روعة تدمير الكلمات. هكذا إبتدأني سايم بالخطاب.

ألم اقل لكم إنه شخص غير عادي، عادة ما يبتدأ الناس خطاباتهم عن حالة الطقس،يتذمرون من روتينهم ،يحللون كل شيء و أي شيء، يتحدثون عن ضراوة الدوري الانجليزي، عن الاثارة في مباراةتوتنهام و  السيتي ، عن أسعار الاعبين و البنزين و الطماطم، عن رؤسائهم البغيضين في العمل، و لكن أن يعرب أحدهم عن امتنانه لتدمير الكلمات فهذا شيء لم يسبق سماعه.أجبته:

-تدمير الكلمات،ها،هذا شيئ مستحيل!  إنك واسع الخيال،لماذا لا تعمل لدى متنجي أفلام الخيال العلمي؟.

ابتسم سايم و أجابني:

-بلى يمكنني ذلك،بل هذا هو لب عملي،إننا نصدر قواميس جديدة بها عدد أقل من الكلمات، و هكذا تتناقص الكلمات شيئا فشيئا،إننا نسلخ اللغة.

-لا يمكنك سلخ اللغة ،ستظل الكتب موجودة تحفظ نصوص الأقدمين ،ألا ترى أننا نقرأ قصائد من العصر الجاهلي؟!.

-الكتب عامل مهم ،لا يمكن نكرانه،لكنه ضلع واحد من مثلث:لغة ،كتب و ذاكرة.نحن ننشئ جيلا جديدا لا تعرف ذاكرته إلا اللغة الجديدة،و لهذا فلن يكون قادرا عل فهم “الكتب القديمة”،بما فيها قصائدك الجاهلية.ما رأيك أن نجرب أن نسأل أحد التلاميذ عن معنى :مكر مفر مقبل مدبر معا ،كجلمود ضخر حطه السيل من عل.

-المعلقات؟ أنا أيضا لا افهمها كلها، لهذا توجد القواميس.

-أنسيت بهذه السرعة !إننا نصدر قواميس جديدة فيها عدد أقل من الكلمات.بهذا لن يعود بالامكان فهم الكتب القديمة.

-إننا نتحدث هنا ثقافة الاف السنين يا سايم، تريد محوها كأنها لم تكن!  ماالغاية وراء كل هذا ؟لماذا تريد تدمير الذاكرة؟

-ما الغاية؟ألم تفهمي بعد ! ألا ترين أن الغاية النهائية للغة الجديدة هي التضييق من آفاق التفكير، حتى ينعدم ، فيحل محله الولاء، الولاء يعني انعدام التفكير. تذكري هذا جيدا إن الكلمات كلما تناقصت،تناقص الوعي و الادراك حتى يصبح التفكير مستحيلا.

أطرقت أفكر و قد انتابني شعور الضفدع الذي يموت ببطء في ماء يسخن تدريجيا دون أن يدرك ما يحدث له.

هرولت أبحث في المقررات الدراسية ما يطمئن بالي و يدحض حجج سايم،  قلت لنفسي بالتأكيد لازال النشء يحفظ قصائد أحمد شوقي،يترنم بالديك الذي فطن إلى مكر الثعلب حين أتاه في ثياب الواعظين،لا بد أنني سأجد مقامات الحريري، مبارزات الفرزدق و جرير،هجاء الحطيئة،زهد أبي العتاهية،حكم ابن عطاء الله،  ذهبت أبحث بين الصفحات عن بردة كعب بن زهير حين جاء رسول الله معتذرا،عن خطب سيدنا علي، واعظا،موبخا و محفزا،منيت نفسي بلطائف البلغاء،بأمثال العرب بقصائد المدح و الهجاء،رفعت سقف توقعاتي و ما دريت بحجم صدمتي،حين اصطدمت بصخور  نصوص ركيكة الاسلوب،ضعيفة البناء،فقيرة الكلمات،غابت عنها جمالية الادباء و غادرتها محسنات البلغاء،يختلط بها الدارج في أحيان كثيرة،صرخت ما هذا!فأجابني سايم و بسمة الانتصار في وجهه:إنها اللغة الجديدة.

نسيت أن أخبركم عن سايم، إنه في الحقيقة شخصية من خيال جورج أوريول في روايته 1984.في الرواية يمنع تداول كلمات اللغة القديمة، أي كلما أصدر سايم و زملاؤه قاموسا جديدا فعلى الجميع الالتزام به و استعمال كلماته فقط،يحوي كل قاموس جديد كلمات أقل. في الرواية يعد التفكير جريمة، و بهذه الطريقة يمنع سايم و زملاؤه وقوع هذه الجريمة.

رغم ولائه الشديد،سيتم اعتقال سايم،سيختفي و يتم محوه بدوره من الذاكرة.”إنه ذكي و يطرح الاسئلة، سوف يتم اعتقاله،أرى ذلك مكتوبا على جبينه”،هكذا كانت كلمات بطل الرواية متحدثا عنه.


usefulengineering

usefulengineering

مهندسة صناعية مهتمة بعلم النفس،بالادب و اللغة العربية https://t.co/pLvY1rJ6fM

Advertisements

2 thoughts on “إننا ندمر الكلمات،إننا نسلخ اللغة

  1. انت لاتدركين روعة تدمير الكلمات!* قلت في رأسي واو! ثمة من يفكر بطريقة جورج اورويل، العالم يفطن لما يحدث وأخيرًا. سأحكي للسيدة المهندسة عن الرواية. ولكنك سبقتني اذ ذيلتِ التدوينة بذكرها.
    على كلٍ، هل تدركين روعة تدمير الكلمات؟

    Like

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.